الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
258
الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية
الاختراع عُرف سبيله واتّضح للناس مأخذه ودليله ، واقتفى به من بعده فجاء بمثله أو زاد على ما عنده ، أو صار مساعداً له في بعض شؤون عمله ، أو رفضه في تفاصيله أو جمله ، إلى غير ذلك ممّا قضت لك العادة وشهدت عندك به السيرة . أمّا من خصصناهم بالنبوّة وآمنّا بهم لمكان المعجزة ، فهم بين ظهراني أُمّتهم ونصب عيون قومهم ، وما كان ليخفى عليهم شيء من أمرهم ، ولا ليتوارى عنهم خفيّ أحوالهم من حين ترعرعهم إلى زمن اكتهالهم . يجدون ويشهدون أنّهم ما مارسوا علماً ، ولا درسوا فنّاً ، ولا اختلفوا إلى معلّم ، ولا وقفوا من البشر على مؤدّب ، سيّما في سنخ تلك المعجزة التي تحدّوا إليها واعتمدوا في دعوى النبوّة عليها . وهم ما ابتدأوا بالدعوة إلّاقومهم ، ولا خصّوا بإظهار المعجزات إلّابلادهم تثبيتاً للحجّة وقطعاً للمعاذير ، ليكون الغير بتصديقهم أولى والبعيد إليهم أدنى . أفتراك سمعت بنبيٍّ صادق الدعوة بدأ بغير قومه وظهر في غير أهله وقام في غير أبناء جلدته ، من ( إبراهيم ) ، و ( موسى ) ، و ( محمّد ) ، و ( عيسى ) ، وغيرهم ( صلوات اللَّه عليهم جميعاً ) من أُولي العزم وغيرهم . ثمّ إنّ تلك المعجزات ذهبت بذهابهم وزالت بزوالهم . ما ثنّيت بثانٍ لهم من عامّة البشر ولا أحاطت بها جميع القوى والقُدر ، على كثرة من جاء بعدهم من الحذقة البارعين وأصناف المخترعين ممّن يضاد شريعتهم ويجهد أن يبطل دعوتهم . أتراك تجد من يضرب بعصاه البحر منبجساً « 1 » ، فيشقّ للعبور فيه طريقاً
--> ( 1 ) بجس : تفتّح الشيء بالماء خاصّة ، أو انشقاق في حجر أو أرض ينبع منها ماء . ( معجم مقاييس اللغة 1 : 199 ) .